الأنا: التحدي الذي يواجهنا

عندما تقوم الأنا بتوجيه قراراتنا؛ فإننا ننقطع عن الجميع، فرق العمل، ومن نرتبط بهم، وكل من حولنا.وهو ما يُناقض الذكاء الجماعي.

301 0

في مسيرتي المهنية، فإنني أولي اهتمامًا كبيرًا بالبشر. أولًا؛ لأنني أعمل من أجل تطوير حياة الناس، وثانيًا، لأن لدي بعض الفضول لأتعرف على نفسي بشكل أفضل. ولهذا أجدني أراقب سلوكيات الناس، ومواقفهم، وطرق تعاملهم مع الأمور، وردود الأفعال، والنتائج المترتبة على ما سبق، وكذلك الأسباب السابقة التي تُشكِّل شخصية الفرد بناءً على أعماله وتصرفاته في السياق اليومي.

في إحدى ورش العمل الاستشارية، قال المُحاضر “إن نتخذ قراراتنا اليومية بناءً على أمرين: ذكرياتنا، والأنا. هذه العبارة جعلتني أنظر إلى نفسي، كم من القرارات التي اتخذتها بناءً على الخبرات التي اكتسبتها وعشتها من قبل، بما في ذلك ما نجحت وفشلت فيه على مرّ السنوات الماضية؟ القرارات نتخذها في شتى مجالات حياتنا، سواء في مجال عملنا، أو في علاقاتنا الشخصية، أو حتى في نِيَّاتِنا المستقبلية التي نعزم عليها في أي/كل وقت. أصبحت أنظر إلى قراراتي منذ ذلك الحين بهذه الطريقة.

أرى الأمر بات طبيعيًّا وعميقًا لأقصى حدّ، لدرجة أنني سألت نفسي: كيف لم ألحظ ذلك من قبل؟ كل لحظة تمرّ في حياتي أراها جديدة؛ لأن سياقها الحالي يختلف عمَّا تعرضت له في الماضي. ولا أدري هل تلك العبارة واضحة المعنى أم لا، لكني أدرك أنها توضح عمق الأمر.

عندما نظرت إلى الجزء الثاني من العبارة، ألا وهو الأنا – الأنانية -؛ اكتشفت أن عُمق الفكرة أبعد من مسألة الذكريات. كم مرة اتخذت قرارات بناءً على الرغبات، والمصالح، والأماني والأحلام؟ فعندما أسعى إلى توسيع نطاق مسألة الأنا؛ سأجد أنها لا تقتصر عليَّ فقط، وإنما يشارك فيها كثير من البشر.

هذا ما دفعني إلى أمر آخر أتشوَّف إليه، وهو تحليل نقطة الأنا وآثارها الجانبية، سواء على الناس، أو فرق العمل، أو على الشركات، وما مدى اتخاذ القرارات بناءً على تجاربنا وخبراتنا. خاصة الرغبات المتعلقة بالمال والسُّلطة والنفوذ والروابط العاطفية، جميعها يمكننا تسميتها بالمصالح الخفية. وهذا يحدث مرارًا ولا حصر لها.

أهم ما ينبغي أن نتساءل عنه هو: من الذي يجب أن ينظر إلى المشروع/الشركة ويختار الأفضل لها؟ وحتى أكن أكثر تحديدًا في سؤالي، من الذي عليه أن يدعم أو يشير إلى أهمية عمل تغيير ما في الهيكل التنظيمي لمشروعك، الذي من شأنه أن يؤثر على أرباحك أو مكانتك السوقية، وبالتالي يتحسن موقف شركتك الناشئة؟

لاحظت أنه في معظم الأوقات التي نفكر فيها؛ تصطدم تجاربنا مع مشاعرنا الجيدة والسيئة، ليبدأ حديث النفس، مثل “هذا الأمر سيُجدي نفعًا، لقد فعلته من قبل وكانت النتائج جيدة”، أو “حاولت بهذه الطريقة ولم تنجح معي”، أو “لقد عشت في وضعٍ مُماثِل فيما سبق، وسواء فعلت س أو ص سيحدث كذا؛ لذلك سأنفذ كذا على هذا النحو طالما أن النتائج واحدة”.

لماذا نتمسَّك بتلك الذكريات في وقت اتخاذ القرار؟ غالبًا ما يكون ذلك بسبب الخوف مِمَّا هو جديد، فإنه مجهول، مع انعدام الأمن، أو الخوف من ارتكاب الأخطاء، مع أي انتقاد مُحتَمَل، أو خسارة المال أو العمل أو الوظيفة.

كل ذلك قادني إلى تحديد نقطتين في غاية الأهمية: 1) علينا إقناع أنفسنا بحقيقة أن ما سيحدث بعد ذلك هو أفضل بإذن الله تعالى، وأنه أمرًا منفصلًا عمَّا جَرَى في الماضي. 2) عندما نتحدث عن فَصْلِ ما هو قادم عمَّا مضى؛ علينا إدراك حقيقة أخرى، وهي صعوبة التخلي عن المفاهيم المُسبَقة المُعتَمِدَة على التجارب السابقة، والشكوك التي توهمنا ذكرياتنا ومشاعرنا بها.

في كتابٍ اسمه “السُّلْطَة والحُبّ: نظرية التغيير الاجتماعي وممارساتها”، ذكر مؤلفه أن مجموعة من القادة اجتمعوا لمناقشة قضايا معينة. وكل واحد منهم يعتقد أن الآخرين إذا غيروا طريقة تفكيرهم وعملهم؛ فسيتم حل المشاكل. أي أن المشكلة تكمن في رأي الآخرين، وليست عند القائد نفسه. وكانت التجربة هي دعوة قادة المجموعات المختلفة للتفكير في كيفية تغيير الطريقة التي يفكرون ويتصرفون بها في حياتهم الشخصية والمهنية. وفي رأي المؤلف: لا بُدَّ تصبح السُّلْطَة والحب لدينا في حالة استقطاب وانجذاب؛ فإن انفصال أحدهما عن الآخر سيُؤدي إلى قرارات عقيمة ومُنحَلَّة. أي أننا نخطئ لاختيارنا أحد دوافع إحدى الأمرين فقط دون الآخر، إمَّا دوافع الحب أو دوافع القوة.

نشر الوعي السليم والمفاهيم الصحيحة المتعلقة باتخاذ القرارات هو الأداة التي لديها القدرة على تحديد المواقف التي تحكمها الأنا. فعندما تقوم الأنا بتوجيه قراراتنا؛ فإننا ننقطع عن الجميع، فرق العمل، ومن نرتبط بهم، وكل من حولنا. أمَّا القرارات السليمة فتُبْنَى على الذكاء الجماعي، ويحدث ذلك عند استيفاء شروط التنوُّع والإدراك. وبدون ذلك ستعاني كل مجموعة من الميل إلى الصراعات، مع انخفاض التواصل فيما بينهم، وربما مع انقطاعه تمامًا.

عندما تخضع لقراراتٍ أنانية؛ فإن الذكاء الجماعي يتنحَّى جانبًا على حساب المصالح والرغبات الفردية. وطالما أننا جزء من الكل؛ فعلينا أن نرتبط جميعًا بطرقٍ تجعل من كياننا كالبُنيان المرصوص.


اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz
error: المُحتَوى محمي!

ريادة الأعمال في الوريد

محتوى حصري. استراتيجيات مفيدة. ريادة الأعمال منقطعة النظير.