فقير صابر أم غني شاكر؟

فقير صابر مقابل غني شاكر بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله – صلَّى الله عليه وسَلَّم -، أمَّا بَعْدُ: تُرَى أي الحالين أفضل، فقير صابر أم غني شاكر؟ إذا عُرِضَ علينا الخيارين، حتى نكون صادقين، الكثير منَّا سيذهب للخيار الثاني، الغنيّ الشاكر. والسبب الغريزي،...

336 1

غني

فقير صابر مقابل غني شاكر

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله – صلَّى الله عليه وسَلَّم -، أمَّا بَعْدُ:

تُرَى أي الحالين أفضل، فقير صابر أم غني شاكر؟

إذا عُرِضَ علينا الخيارين، حتى نكون صادقين، الكثير منَّا سيذهب للخيار الثاني، الغنيّ الشاكر. والسبب الغريزي، هو استعدادنا دائمًا للاستمتاع بالثراء عن مُعاناة الفقر.

ما بين أيوب وسليمان عليهما السلام

في سياق تاريخ طويل من حياة الإنسان، خَلَقَ الله نوعين من البشر – فقير، وغني -؛ ليكونا قدوة للجيل القادم من المجتمع. ونظرًا لأن القصص القرآني التي تنطوي على العبر والأمثلة لها فائدتان: استقاء الحقيقة الفكرية، واكتساب القوة النفسيَّة؛ سنذكر أقوى مثالين يتعلّقان بما يدور الحديث بصدده، من القرآن والسُّنَّة.

خَلقَ الله تعالى النبيّ أيوب عليه السلام والذي نعرف جميعًا أنه كان مريضًا، وفي خِضَمّ اختبار شديد للغاية، كان أمر طبيعي بالنسبة له. أحيانًا، هناك أناس حصلوا على نعمة المال والثروة، لكنهم لا يتمتَّعُون بنعمة الصحة الجيدة. إنهم لا يتمكَّنون من التمتُّعِ بممتلكاتهم، لأنهم مرضى.

وعلى العكس من ذلك، هناك من حَصَلَ على نعمة الصحة والعافية ولكنه ليس ثريًا. عندما يريد التمتُّع بالكثير من الأشياء، لكنه لا يتمكَّن من تحقيقها؛ لأن ما في جيبه ليس كافيًا ليسمح له ببلوغ مأموله. الذي وَقَعَ على النبيّ أيوب عليه السلام، أنه تعرَّضَ للأمرين سواء. كان يُعاني من الفقر الشديد، والألم الجسدي الذي كان هو أيضًا، على نحوٍ سيء للغاية. ذَكَرَ الله تعالى دعاء أيوب عليه السلام،

“وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ”. [ص: 41]

معظم أهل التفسير قالوا إن:

معنى نُصْب: الضرّ في البدن.

ومعنى عذَاب: الألم، والعذاب في ذهاب الأهل والمال، وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب.

“يذكر تعالى عبده ورسوله أيوب عليه السلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده، حتى لم يبق من جسده مَغْرز إبرة سليمًا سوى قلبه ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه، غير أن زوجته حفظت ودّه لإيمانها بالله ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة.

وقد كان قبل ذلك في مال جزيل، وأولاد وسعة طائلة من الدنيا. فسلب جميع ذلك، حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته – رضي الله عنها – فإنها كانت لا تفارقه صباحًا ولا مساء، إلا بسبب خدمة الناس، ثم تعود إليه قريبًا”. [تفسير ابن كثير: 7/74]

ومن جهة أخرى، كان نبي الله سليمان – عليه السلام – إنسانًا دائم الشكر لله. إلى أن أصبح ملكًا على البشر، والجِنّ، والحيوانات، وحتى الرياح. كان دعاء سليمان – عليه السلام – ليحظى بهذه المنحة، أن دعا وقال:

“قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ”. [ص: 35]

نموذجان من الأنبياء في نفس السورة – سورة ص – ما بين الآيات 30 إلى 44. وكل منهما – سواء أيوب أو سليمان عليهما السلام – استجاب الله تعالى لهما، بأنهما كانا كما وصفهما عز وجل بصفة واحدة:

“نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ”. [ص: 33 / 44]

هذا هو، سواء كان المرء فقيرًا صابرًا أو غنيًّا شاكرًا، فهما سواء عند الله سبحانه. ومن سينعم منهما في حياتهم المقبلة هو أكثرهم تقوى. قال الله تعالى:

” إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”. [الحجرات: 13]

شخصية النبي محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم –

إنه الأسوة الحسنة للعالمين. الإنسان الوحيد الذي أقسم الله تعالى بعمره. عندما ذكر الله قصة قوم لوط – قوم سدوم -، أقسم الله تعالى بحياة نبيِّه – صلوات الله وسلامه عليه – قائلًا “لَعَمْرُكَ”:

“لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ”. [الحِجْر: 72]

قال ابن كثير عن ابن عبَّاس – رضي الله عنهما –:

“ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره”. [تفسير ابن كثير: 4/542]

وفي مسألة الشكر والصبر، فقد جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين أخلاق أيوب وأخلاق سليمان – عليهما السلام -. لقد جمع بين الأمرين، فكان غنيًا شاكرًا، وفي الوقت نفسه فقير صابر.

محمد ﷺ .. غني شاكر

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال:

“مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَلَى الإِسْلاَمِ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ – قَالَ – فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِى عَطَاءً لاَ يَخْشَى الْفَاقَةَ”. [رواه مسلم: 6160]

وإلى الآن، لم نر، وقد لا نرى أبدًا من يعطي غنمًا بين جبلين.

كذلك أهدى النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجّة الوداع 100 ناقة، فإذا كان الناقة/الجمل الواحد سعره 5000 ريال – على أقل تقدير -، فهذا يعني أنه – صلَّى الله عليه وسلم – ضحَّى بما قيمته نحو 500 ألف ريال. تذكروا أنها أضحية فرد، وليست أضحية شركات.

محمد ﷺ .. فقير صابر

ومن جهة أخرى، كان النبي – صلَّى الله عليه وسلم – يربط الحجارة على بطنه، بسبب الجوع. فلم يكن يشبع أبدًا – صلَّى الله عليه وسلم – لمدة ثلاثة أيام مُتتالية.

عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – أنها قالت:

“مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ – صلى الله عليه وسلم – مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلاَثَ لَيَالٍ تِبَاعًا ، حَتَّى قُبِضَ”. [رواه البخاري: 5416، ومسلم: 7633، وغيرهما]

ونعتقد أن مثل هذه الظروف لم نتعرض لها – لا نحن ولا عائلاتنا -. إننا نفكر دائمًا: ما الفطار الذي سنتناوله في الصباح؟ بل أننا في شبع – ولله الحمد والمنّة – طوال الشهر، هل فكرتم في ذلك؟

سواء كنت فقير صابر أو غني شاكر .. ارْضَ بحالك

أيًّا كان حالنا، فإننا لن نستطيعَ الاختيار أو أن نفرض على أنفسنا أن نصبح فقراء صابرين أو أغنياء شاكرين. فإذا كنت فقيرًا، لا يمكنك إجبار الخالق – القويّ العزيز – على أن يجعلكَ غنيًّا. والعكس بالعكس، إذا كنت غنيًّا، لا يمكنك أبدًا أن تفرض عليه سبحانه وتعالى أن يبدِّلَ حالك لتتمكَّنَ مِنْ تذوّق الفقر.

 وهذا يعني، الذي ينبغي أن يُهَيْمِنَ على أذهانِ الأغنياء ليس الطريقة التي يُمْكِنُ بها أن يصبحوا فُقراء، وإنما الطريقة التي من خلالها يمكنهم تحقيق أقصى درجات شكر الله على فضله ونعمه؛ لأن هذا هو الواجب. وأنا على يقين أننا جميعًا نتَّفق على ذلك.

ولنعتبر العكس بالعكس، فينبغي على الفقير ألا يركِّزَ ويكون جُلّ همّه التفكير في “كيف اصير غني/كيف اصبح غني”؟ ويظل عاكفًا في البحث عن الطريقةِ التي من خلالها يصبح غنيًّا، وإنما عليه أن يبحث عن الطريقة التي تُمَكِّنَه مِنَ الرضى والعيش بسعادة مع قضاء الله وقدره، والتحلِّي بالصبر؛ لأن هذه هي وظيفته.

هل توافق على هذا؟

ولا تنس أن ذلك ما أشار إليه حفيد النبي – صلى الله عليه وسلم – الحسن بن علي – رضي الله عنهما – قال:

” مَنِ اتَّـكَـلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللهِ لَـهُ لَـمْ يَـتَـمَنَّ شَيئًا”. [كنز العمال، لابن عساكر: 8538]

إذا كانت هناك تعليقات من البعض أن “هذا يعني أنَّكَ تحفِّزَ الفقراء أن يظلوا فقراء، وألَّا يسعوا، أو يحاولوا تجاه ذلك”.

بالنسبة لمن ينظر إلى ما عبارة الحسن بن علي – رضي الله عنهما – بهذا المفهوم؛ فللأسف لم يفهم الجملة. العبارة لا تحتوي على تحفيز أي فقير بألا يعمل أو يسعى، وإنما تُوَضّح فقط أن مهمة الفقير هي الرضا والتحلِّي بالصبر. في حين أن العمل والسعي لشؤون الدنيا، فهذا أمر ينسجم بطبيعة الحال مع رغبات كل إنسان، لذلك ليس بحاجة إلى الكثير من التحفيز، ويمكنكم مراجعة مقال “نجاح الدنيا والآخرة” لفهم هذه النقطة باستفاضة.

المؤمن: بين الصبر والشكر

هذه هي طبيعة كل مؤمن حقيقي. ولا يمكن فصل إحدى المهمّتين عن الأخرى، بين الشكر في السرَّاء والتحلِّي بالصبر عند المصيبة. حتى أنَّ النبي – صلى الله عليه وسَلَّمَ – أعرب عن تعجُّبِه لأمر المؤمن، وهو يُثني في قوله على الذين آمنوا:

“عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ”. [رواه مسلم: 7692، وابن حِبَّان: 2896]

غني أم فقير؟ لا يهم. المهم، والأهم، أن تصبر، وتشكر، وتحمد الله تعالى على نعمة الإيمان.


اترك تعليق

1 تعليقك الطيِّب على "فقير صابر أم غني شاكر؟"

نبّهني عن
avatar
فرز بواسطة:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
heba
ضيف

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ سورة ابراهيم 7
إن شكرته على القرب فيما بينك وبينه زادك غنى
حينما تشكر تحقق الهدف من وجودك؛ لأن في الأساس وجودك نعمة, منحة, فضل
﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ سورة سبأ 13

‫wpDiscuz
error: المُحتَوى محمي!

ريادة الأعمال في الوريد

محتوى حصري. استراتيجيات مفيدة. ريادة الأعمال منقطعة النظير.